مذكرات السجين السابق لدى البوليساريو محمد فال ولد أكًاه (الحلقة 13)

أحد, 08/01/2017 - 20:57

الكتيبة السابعة: بعد أن مسح كل منا على رأسه وتأكد أن جمجمته أصبحت صعيدا جرزا وضحكنا على بعضنا البعض طلب منا إبراهيم الحلاق أن نتبعه إلى مكان ما ، وبينما نحن سائرون خلفه ابتلعته الأرض فجأة ومن المكان الذي اختفى فيه تطايرت نحونا مجموعة بذل عسكرية بنية اللون تتبعها أحذية عسكرية وأحزمة يتلوها إبراهيم الذي ابتلعته الأرض فعرفنا أن المكان هو عبارة عن مخزن مقام تحت الأرض ، ولم أكن يومها أتصور أنه المكان الذي سيتم تعديله بعد سنين ليصبح زنزانة أمكث فيها أتعس وأقسى أيام في حياتي وأتعرض فيها لأبشع أنواع الظلم دون جريرة ارتكبتها سوى أني كنت أقوم بكل ما يسند إلي من عمل بكل صدق وإخلاص حافزي الوحيد في ذلك  قناعتي بأن ما أقوم به هو الصواب وأنه سيأتي اليوم الذي أرى فيه جهدي أثمر شيئا غير الذي أثمر.

حين نبهنا صاحبنا بأن تلك الملابس والأحذية لا تناسب مقاساتنا لكبرها وكان رجلا قليل الكلام رد علينا بأنها هي كل الموجود (بالحسانية : ألَا ذاك الخالك) وأتبع رده ذاك بلغة صارمة أن ألبسوها واتبعوني فامتثلنا للأمر وكان منظرنا في تلك الملابس الفضفاضة أشبه ما يكون بمنظر المهرجين وحين سرنا خلفه كانت مقدمة أحذيتنا لطولها تسبقنا بمسافة لتقول لمن هم أمامنا بأنا في الطريق إليهم ، وبعد مسير قصير وكانت الشمس قد قاربت الغروب أوصلنا إلى مكان آخر تحت الأرض استقبلنا فيه أشخاص أذكر منهم سيدي وكال الذي سنعرفه لاحقا مديرا للمعسكر نفسه فاستقبلنا بوجه باسم وتحدث معنا بلطف وسألنا عدة أسئلة تتعلق بسفرنا وانطباعاتنا عن المخيم خلال الأيام التي قضيناها فيه ثم أمر أحد الحاضرين معه أن يلحقنا بالكتيبة السابعة وأن يوزعنا على الخيام الخاصة بها ، وكانت تلك الكتيبة هي سابع كتيبة في دفعة من المتدربين أطلق عليها اسم " دفعة الشهيد سعيد الصغير " وكانت في معظمها تتألف من الشباب القادمين من موريتانيا .

تم ضم كل منا إلى مجموعة منفصلة عن الآخرين وتم تزويده بما سموه العهدة وهي عبارة عن بطانيتين صغيرتين وفراش و بعد أن استقر بي المكان مع مجموعتي سألني قائدها إن كنت أدخن وحين أجبته بالإيجاب أعطاني أربعة أصابع من السجائر وأخبرني بأنها هي كل زادي من التبغ لمدة أربع وعشرين ساعة ورغم صدمتي بالخبر فكان بعض جماعتي يحاول انتزاع "زادي" بطريقة شيطانية وهي تحذيري بأن المسؤولين سيعاقبونني إن اكتشفوا أنني أدخن لأن من هم في عمري لا يسمح لهم بالتدخين ، وكانوا يعتمدون في تحذيرهم أنه في تلك الفترة كان يوجد ضمن المتدربين مجموعات كبيرة من الأطفال يطلق عليهم اسم "الأشبال" معزولون لوحدهم ويمنع عليهم التدخين ، ولأن جسمي كان نحيلا لدرجة أن البعض أطلق علي اسم "ا" فقد كانوا يراهنون أنه سيتم تحويلي إلى أولئك الأطفال حتى أن أحدهم طلب مني مستجديا أن أعطيه تلك الأصابع الأربعة بدل أن تصادر مني . غير أن كل ذلك لم يجدي نفعا معي وكل ما كنت أفكر فيه هو الوسيلة التي سأثبت أنني راشد إن هم أرادوا فعلا تحويلي إلى الأشبال خاصة أن كل وثائقنا تمت مصادرتها في المركز الذي تم التحقيق معنا فيه عند قدومنا وكنت متفائلا بأني إن نجحت في إقناعهم برشدي فسأفوز بأربعة أصابع إضافية من السجائر يكون أمان ولد الخالص كان قد تسلمها فهو أصغر مني سنا وبالتأكيد سيتم تحويله إلى الأشبال إن صدق ما سمعت .

كانت الكتيبة السابعة لا تزال في طور التشكل لذلك لم يحتج المدربون سوى ليوم واحد كي يعلمونا الحركات العسكرية التي سبقنا بها الآخرون وهكذا بدأنا مرحلة من التدريب الشاق ومما زادها صعوبة كونها تصادفت مع الاستعداد للاحتفال بذكرى 20 مايو 1979 التي تؤرخ بها البوليساريو ليوم تفجيرها للكفاح المسلح .

 

يتواصل .................